وقد أصدر المدرسي في الرد علي كتابين هما: (الامام المهدي والإيمان بالغيب) في سنة 1417 و (الامام المهدي قدوة الصديقين) سنة 2005
وقد ابتدأ كتابه الأول بجموعة شعارات خطابية مثل ان "حقيقة الامام الغائب من الحقائق الكبرى... وان المنظومة الفكرية في عقائد التوحيد انما تنتظم بالولاية، وهي الحبل المتصل بين سماء القيم وصعيد الواقع، فلو انقطع الحبل فان مفردات العقائد تبقى من دون نظام، وفائدتها تكون محدودة... وان انتظار الامام الغائب انتظار يوم الدين، والايمان بالوحي النازل من الغيب".
ثم اعتبر الإيمان بالامام المهدي مسألة نفسية إيمانية على كل انسان أن يؤمن بها اذا كان يؤمن بالله، فـ" ان الايمان لا يتجزأ ، ومن أراد أن يكفر بحق ويؤمن بآخر، فانه بمثابة من يكفر بالحق كله. (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويم القيامة يردون الى أشد العذاب) البقرة 85 ان قدرة الانسان على تجاوز ذاته هي واحدة في كل مكان، ومن هنا فانه يؤمن بكل حق لا تفريق بين حق وآخر. أما الذي يدعي الايمان بالحق ثم يكفر ببعض الكفر فانه كاذب في ايمانه ، لانه لم يعرف كيف يتجاوز ذاته، ويخالف هواه. انه يتبع هواه في تقييم الحقائق، فما وافقت عليه نفسه آمن به، وما خالفته نفسه كفر، وكان كمن قال ربنا سبحانه عنه: "أكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون" البقرة 87 وهكذا يلجأوون الى ميزان العصبية والأهواء في تقييم الحقائق، وبأيها يؤمنون وبأيها يكفرون. فاذا انزل الوحي فيهم وكان الرسول من قومهم آمنوا به، واذا كان من غيرهم كفروا به. هؤلاء هم في الواقع من أتباع الهوى".
ورغم أني في حواري ومراسلاتي معه، طلبت منه تقديم الدليل الشرعي على "حقيقة" وجود المهدي، أو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، فان السيد المدرسي اعتبر هذا الأمر من الأمور المسلمة المفروغ منها، وراح يحلل نفسيتي، ويهاجمني دون ان يقدم أي دليل، فقال:"اليوم نجد البعض يرتاب في حقائق كان بالأمس يؤمن بها ويدافع عنها أشد الدفاع. لماذا؟ لأنه تعرض لفتنة، وأصبحت هذه الحقيقة تخالف مصالحه وأهواءه، وغدا يكفر بالحقيقة التي لا يزال يؤمن بها اليوم، وهكذا يكفر ويؤمن حسب رياح الهوى، هو التحدي ضد جبت الذات. فاذا انهارت مقاومة الانسان الداخلية، فأية قيمة لإيمانه. بل كيف نسمي الايمان بشرط موافقة الهوى، كيف نسميه إيمانا؟
مثل هؤلاء الذين يتراجعون اليوم عما آمنوا به أمس لم يكونوا مؤمنين حقا. بل كانوا يزعمون أنهم مؤمنين، أو يتظاهرون به، وقد قال الله تعالى عن الفريق الأول:" قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" الحجرات 14 ويقول سبحانه عن الفريق الثاني:"اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله، والله يشهد ان المنافقين لكاذبون، اتخذوا إيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله انهم ساء ما كانوا يعملون) المنافقون 1-2 .[2]
وهكذا وبكل جرأة راح يتهمني بالنفاق، لا بل ويتنبأ بالغيب فيقول:"غداً يكفر بالحقيقة التي لا يزال يؤمن بها اليوم".
وبدلا من أن يقدم أدلته على تلك الحقيقة الإيمانية التي يدعيها، وجد السيد المدرسي أن أسهل الطرق للدفاع هي الهجوم الشخصي، وارتدى هذه المرة نظارات المحلل السياسي والنفسي، فقال: "عندما طبقت بصيرة الولاية في بعض البلاد وواجهت مضاعفات عند التطبيق ، واصطدم البعض بها، تراه لم ينسب الخطأ الى البشر الذين هم بالتالي غير معصومين، ولم يدر ان كل فكرة واجهت مضاعفات عند التطبيق. فالديموقراطية التعددية والديموقراطية الشعبية والملكية الدستورية والملكية المطلقة.. وكل النظم واجهت مشاكل عند التطبيق. والعقلاء لم يحملوا كل المسؤولية على المبدء، بل عرفوا مواقع الضعف في المبدء، وميزوها عن مواقع الضعف في المنفذين لها. وعند هذا المنعطف انهار وبدأ يرتاب في حقيقة الولاية الالهية، ويدعو الى العلمانية (وفصل الدين عن السياسة) أو الى التطوير في فهم الدين... وترى بعضهم ابتلي بالشك الجارف فاذا بفيروس الارتياب ينخر في أصول عقائده، فأخذ يشك في الامام المنتظر عليه السلام، زاعما ان الدليل الوحيد الذي دل على ولاية الفقيه هو الحديث المسند اليه. فامعانا في فتنة نفسه وخداع ذاته أخذ ينفي وجود الامام الحجة حتى ينهار أساس ولاية الفقيه.. تلك الولاية التي اصطدم بها ونصب نفسه لتسفيهها وضرب قواعدها واسسها... ثم أخذ يرتاب في سائر اصول المذهب الحق، بل وبعض اصول الدين ذاته". [3]
وهل التشكيك بنظرية ولاية الفقيه، التي لا يؤمن بها كثير من العلماء، كالشيخ الانصاري والسيد الخوئي والسيد السيستاني، تشكل مقدمة للكفر بالاسلام؟ إضافة الى ان تشكيكي بوجود الامام الثاني عشر، لم يكن منطلقا من الرغبة في تسفيه نظرية ولاية الفقيه، وذلك لأن كثيرا من منظري هذه الفكرة كانوا يرتكزون في اجتهادهم حولها على الأدلة العقلية والقرآنية، وانما كان منطلقا من حقائق موضوعية تكشفت لي أثناء البحث وتصريح مشايخ الطائفة الإثني عشرية الأوائل بأن عمدة أدلتهم على وجود ابن للامام العسكري، هو الافتراض الفلسفي، في غياب الأدلة التاريخية التي تثبت ولادته ووجوده واستمراره. وقد قدمت أسئلة بريئة ومشروعة عن وجود ذلك الامام المفترض، في محاولة للبحث عن الحقيقة، ولم تكن المسألة مسألة خداع نفسي أو رغبة شيطانية في السقوط في الفتنة، والعياذ بالله، أو محاولة لضرب قواعد ولاية الفقيه، حيث أن المسألة أكبر منها بكثير وغدت تتعلق بأساس الفكر الامامي.
واذا سلمنا بكل قراءات المدرسي النفسية التي لا يعلمها الا الله، فلست أدري كيف تجرأ على اتهامي بالتشكيك بأصول الدين ذاته؟ وما هي تلك الأصول التي شككت فيها؟ هل كفرت بالله تعالى أو بالنبي محمد أو باليوم الآخر؟ وما هو دليله ؟ سوى الاتهام العشوائي والظن بالسوء؟
ولست أدري ماذا أذنبت بحق السيد المدرسي؟ واذا كان يمتلك هذا العمق الغيبي في قراءة قلوب الناس، ومعرفة المؤمن من المنافق، فلماذا لم يكتشف صديقا له عاش معه وعمل معه حوالي عشرين عاما؟
يقول المدرسي:" ان اكثر التشكيك في أمر المهدي جاء بدوافع سياسية، ولم يكن قائما على أسس علمية سليمة".
ونقول له: ان أكثر المدعين لوجود المهدي يقومون بذلك بدوافع مادية وسياسية أيضا، ولا يملكون أسسا علمية سليمة على دعواهم، في حين ان الدليل على المدعي وليس على المنكر أو المشكك. ثم حسنا، ومهما كانت الدوافع، ألا يجب على المدعين تقديم الأدلة العلمية السليمة على دعواهم؟ وكيف نفرق بين الحقائق والأساطير؟ بمجرد الدعاوى؟ أم بالأدلة والبراهين؟
ولا يجد المدرسي الجرأة لبحث أو تقديم أي دليل تاريخي على ولادة ابن الحسن العسكري، كما فعل خاله السيد محمد الشيرازي، فهو يعرف جيدا انها مجموعة أساطير مضحكة، وإشاعات بلا سند ولا دليل. ولذلك ينتقل الى الاستدلال بالاحاديث العامة (السنية) الواردة حول خروج مهدي في آخر الزمان، ثم يقول:" لم يتشكك في عقيدة المهدي الا بعض المتأثرين بالثقافة العلمانية كابن خلدون الذي حاول أن يؤسس نظرية نقدية للنصوص الدينية يعيدا عن الايمان بالغيب والتسليم لحقائق الوحي، وقد أورد 28 حديثا في عقيدة المهدي وحاول تضعيف أسانيد بعضها، وكان واضحا ان تشكيكه كان قائما على نظرية في الاجتماع من قيام الملك بالعصبية، ومحاولة نسبة هذه العقيدة بتلك العصبية.. ولكن اذا جعلنا معيار تقييم العقائد السياسية والحركات الاجتماعية فلا تسلم حتى العقيدة بأصل الدين من هذا المعيار ذي البعد الواحد...ولم يعرف ابن خلدون ان سلامة سند حديث واحد تكفي لقبول عقيدة غيبية، ولا يضر ضعف سند غيره، لأن مجرد الضعف لا يدل على كذب الحديث بل هو مؤيد له". ويستعين بقول للشيخ المحدث ناصر الدين الألباني:" ان عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه (صلى الله عليه وآله) يجب الايمان بها لأنها من أمور الغيب، والايمان بها من صفات المتقين كما قال تعالى:"ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب" وان انكارها لا يصدر الا عن جاهل أو مكابر، أسال الله ان يتوفانا على الايمان بها وبكل ما صح في الكتاب والسنة". [4]
ونقول للمدرسي: حتى لو صحت تلك الأحاديث التي رفضها ابن خلدون، فانها أحاديث عامة، لا تشير الى ولادة أو وجود شخص باسم (محمد بن الحسن العسكري). ونحن انما نتحدث عن الامام الثاني عشر، وليس عن (الامام المهدي) المطلق. فلماذا تتهرب من صلب الموضوع لتستجير بموضوع آخر؟
ويا ليته تحدث أيضا بلغة علمية! انظروا كيف يحاول "إثبات" دعاويه، يقول:"كان أول من كتب من علماء السنة في هذه العقيدة الحافظ نعيم بن حداد المروزي، حيث عنون كتابه باسم "الفتن والملاحم" وتوجد نسخة من الكتاب في المكتبة البريطانية حيث سجلت فيها بتاريخ 1924م كما توجد نسخ منها في مكتبات الهند وسوريا. والمؤلف من مشائخ علماء السنة، وقد توفي سنة 227".
و ليس هذا في الحقيقة الا تهريج اعلامي، فما ذا قال المروزي؟ ومن هم رواته؟ وما هو سند الكتاب؟ وما هو رقم الكتاب في المكتبة البريطانية؟ وفي أي مكتبة في بريطانية؟ وأين توجد النسخ الأخرى في مكتبات الهند وسوريا؟ ماهي عناوينها؟ وأرقامها؟ وهل اطلعت عليها مباشرة ورأيتها بعينك؟ أم تنقل عن أناس لا تعرفهم؟ وحتى اذا صحت الدعوى، من يقول ان نسخة المكتبة البريطانية هي نسخة مسندة وأصلية وصحيحة وسالمة من التحريف والتصحيف؟[5]
مع الأسف الشديد ان السيد المدرسي لا يقول لنا شيئا عن ذلك ، لأنه ببساطة لا يعرف شيئا، ولم يقرأ الكتاب، ولم يطلع عليه، ولكنه يحاول أن يوحي لنا بأن الحافظ المروزي الذي توفي سنة 227 قد قال شيئا عن الامام المهدي، ولما كان هذا التاريخ قبل ولادة الامام الثاني عشر المفترض، فانه لا بد ان يكون إعجازا وتنبأ بالغيب وله علاقة بذلك.
وهكذا يحاول المدرسي ان يدعونا للإيمان بـ"الحقيقة الكبرى حقيقة الامام الغائب ، والوحي النازل من الغيب".
دليل الاثني عشرية
وعندما ينتبه بسرعة الى هشاشة "أدلته" الروائية، وعدم انتاجها لأي مولود، يلجأ الى دليل آخر ليس أكثر من قشة لا تنقذ غريقا، وهو دليل "الاثني عشرية" وقد استعرضت هذا الدليل في كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي) ومع عدد من الاخوة المحاورين، وقلت انه لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث الا بعد إثبات وجود وولادة ابن الامام العسكري، دليلا على صحة النظرية الاثني عشرية، أما قبل ذلك فلا يجوز ولا يمكن ان نستدل به على ولادة انسان لم تثبت ولادته بالأدلة الشرعية القانونية التاريخية، ولكن المدرسي لم يتوقف عند الاحتمالات العديدة التي تحتملها، ويقول:" كما هو واضح من مراجعة المصادر، أن هذه النصوص تبلغ حد الاستفاضة وربما التواتر، مما يجعل المسلم على ثقة بها، وبأنها صدرت عن النبي (ص) وهناك أكثر من شاهد على انه عنى بهذا العدد أئمة أهل البيت عليهم السلام وهي التالية: أولا: ليس هناك من ينطبق عليه هذا الوصف، وبهذا العدد سمى أئمة أهل البيت فانهم وحدهم الذين بلغوا الذروة في صفات الأنبياء وعددهم أيضا بلغ اثني عشر، ولم يشك أحد ممن أوتي حظا من العلم والتقوى في سموهم ورفعة درجاتهم"... ولم يكد يتم كلامه حتى استدرك قائلا:"لعل منهج القرآن في المحكم والمتشابه هو القدوة في هذا المنهج. والرسول (ص) اتبع ذات المنهج أحيانا، لابلاغ المسلمين ان الأئمة من بعده هم اثني عشر وانهم من قريش. وقد صرح لخاصة اصحابه من هم اولئك كما حدثهم بأسمائهم. من هنا فان المنهج السليم في معرفة اقوال الرسول كما في فقه كلمات اهل البيت هو التقاط اشاراته والتنبه الى معاريضه وتوريته وألحانه. وانطلاقا من هذا المنهج نعرف ان الأئمة الاثني عشر الذين عناهم من بعده هم في الواقع الأئمة من اهل بيته" .[6] ويضيف:"ان قائمة أسماء الأئمة كانت من أسرار آل محمد التي لم يطلعوا عليها الا من ملك القدرة على حفظها، والايمان بها غيبا. وان النصوص التي كانت عند الشيعة كانت من أسرار آل محمد لظروف التقية الضاغطة، ولم يكن من كبار الشيعة العارفين بها يسمحون لأنفسهم بالبوح بها الا لخاصة خواصهم".[7]
أي انه لم تكن هناك نصوص واضحة وصريحة وثابتة ومتواترة على الأئمة الإثني عشر، وانما يجب ان نعرفهم بالتقاط اشارات الرسول الأعظم والتنبه الى معاريضه وتوريته وألحانه.
فكيف نحصل من تلك النصوص الغامضة والسرية دليلا شرعيا على حقيقة إيمانية كبرى؟ وعلى ولادة ووجود "محمد بن الحسن العسكري"؟
الغلو في الامام
ان السيد محمد تقي المدرسي يعاني من مشكلة كبرى في تحديد مصادر المعرفة الاسلامية ، فهو يعتمد كثيرا على تأويل القرآن التعسفي، وعلى الأحاديث الضعيفة، فيقع في مزالق الغلو الفاحش ويبتعد عن عقيدة التوحيد، حيث يعطي الامام المفترض (المهدي المنتظر) أدوارا إلهية غير بشرية، ويرتفع به عن مقام الامامة التي هي الرئاسة والخلافة، لينسب اليه إدارة الكون وإمساك الأرض، حيث يقول في كتابه (الامام المهدي قدوة الصديقين):" من يحفظ سكان الأرض من الدمار والانهيار والضياع؟ إنه الإمام الغائب؛ الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه، فهو الإمام لأهل الأرض، ولولاه لساخت الأرض بأهلها، ولتحول كل شيء إلى كثيب مهيل. ولتعلم - أخي المسلم - قبل كل شيء أن الإمام الحجة المنتظر أقرب إليك مما تظن، وهو عندك وأنت عنده".[8]
أما من هو الامام المهدي؟ وهل ولد فعلا ويعيش في حالة من الغيبة؟ فان السيد المدرسي يقفز على هذه الأسئلة المحرجة، ويغطي على عجزه بتضخيم دور الامام المهدي، والخلط بين فكرة وعد الله بانتصار الخير ووراثة عباد الله الصالحين للأرض، وبين شخص محمد بن الحسن العسكري، فيقول: "الإيمان بوجود هذا الإمام العظيم والاهتمام الجدي بعقيدة انتظار ظهوره، يعتبران من أهم وصايا الأنبياء لأممهم على مرّ التأريخ، حيث لم يبعث الله نبياً إلاّ وبيّن لـه ان خاتمة هذه الدنيا ستكون الى خير وسعادة وأن العاقبة للمتقين، وأن الأرض سيورثها الله عباده الصالحين، حيث سيمكّن الله المستضعفين في نهاية المطاف. ولقد آمن جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة والصالحين بحقيقة ظهور الإمام الحجة المنتظر عليه السلام في آخر الزمان". [9]
ومن هنا فان المدرسي يعتبر التشكيك بوجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) نوعا من الشرك والنفاق، فيقول بغضب:"قتل الخرّاصون. لقد ابتلي المؤمنون خاصة، والمسلمون عموماً بأنصاف المثقفين الذين يصبون كل جهودهم للتدخل فيما لا علم لهم به، وللتجاوز على قدّسية العلم والاختصاص، وذلك لزعزعة موقع الإيمان والإسلام في القلوب، سواء علموا بتأثير ما يخرّصون أم لم يعلموا. فكم من صحيفة وكتاب وإذاعة وبوق إعلامي يحرض الناس على الشك بالعقيدة واليأس من التغيير والتغيّر، جاهلين بأن الشك واليأس والتشكيك والتيأييس ليس إلاّ شكلاً رهيباً من أشكال الشرك والنفاق". ثم يلمح الى أحاديث تلفزيونية عرضت فيها أسئلتي المشروعة عن وجود ابن الحسن العسكري، وأدلتي على اختلاق هذه الفرضية الأسطورية، فيقول:" سمعنا وتسمعون أكاذيب وافـتـراءات من يستهــزئ - وبأعصاب باردة لها ما يبررها من مصالح ودوافع، كالجهل والطمع والكفر- من الحركات الإسلامية والثقافة الدينية والمقدسات، فلا يكون موقفنا منهم إلاّ التوجيه لهم أو الابتعاد عنهم والاستعاذة بالله القدير منهم فيما لو لم يثمر التوجيه أو ينفع النصح، لأنهم ليسوا إلاّ موجودات جهنّمية يحرقون كل من يقترب أو يركن إليهم. فالحذر كل الحذر منهم، ذلك أنهم آمنوا ثم كفروا وأنهم لن يضروا المؤمنين الصادقين شيئاً".[10]
ولست أدري كيف يجرؤ على وصف حديثي بالاستهزاء، وهو أبعد ما يكون عنه، وأقرب الى الحديث الجاد الذي يحاول ان يشذب التراث الاسلامي من الخرافات والأساطير؟ ثم كيف يتهم من يناقش في قضية يختلف فيها الشيعة الزيدية والإسماعيلية والفطحية مع الإثني عشرية، فضلا عن بقية المسلمين، كيف يتهمه بالانطلاق من الطمع والكفر؟ وكيف يصفه بالجهنمي والكفر وهو يشهد ألا إله الا الله وان محمدا رسول الله ويلتزم بأركان الدين؟ وعلى أي أساس؟
ان المدرسي يحاول أن يأول القرآن الكريم ويربط بين موضوعين، لا علاقة بينهما، مثل البحث عن وجود الامام المهدي، والكفر بالعقيدة الاسلامية، فيقول:"إن كان البحث فيما يخص وجود وظهور الإمام الحجة عليه السلام، فليعلم الإنسان المؤمن ان الله قد عاب في كتابه على من يكفر بالعقيدة الإسلامية سيرته هذه فقال: ( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه) ..؟ بمعنى أن الرسول وإن مات جسداً، ولكنه حيٌّ يرزق بين أظهر المسلمين، وذلك عبر خليفته ووصيه الذي هو القرآن الناطق، وهو الأمان لأهل الأرض، وهو الأمل التاريخي للبشرية جمعاء، وهو الإمام الحجة بن الحسن المهدي عليه السلام".[11]
ولم يشرح لنا المدرسي كيف استخلص هذا المعنى من تلك الآية الشريفة؟ وما هي العلاقة بين تلاوة آيات الله وولادة شخص بعد مائتين وخمسين سنة؟
تم إضافته يوم الأربعاء 11/11/2009 م - الموافق 23-11-1430 هـ الساعة 11:39 صباحاً