ويذهب المدرسي بعيدا ، وهو يحاول الاستدلال على وجود (الامام المهدي) بصورة تعسفية، فيطرح فكرة خطيرة مناقضة لخاتمية النبي محمد (ص) وهي ضرورة استمرارية الوحي الى يوم القيامة، فيقول:"إن الإنسان الذي يعتقد بـ(الوحي) الذي هو تجلٍ من تجليات قدرة الله تعالى ورحمته بالإنسان، لابد له أن يعتقد بالإمام الحجة عليه السلام، لأن الذي ربط الأرض بالسماء بفضل الوحي تأبى رحمته ، ويأبى فضله العميم على الإنسان ، ويأبى لطفه أن يترك البشرية دون رابط يربطها بالسماء بعد وفاة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله. فالأرض ومنذ أن وُجد فيها الإنسان وحتى مبعث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لم تخلُ من حجّة إلهية، فكيف يترك الله جلّت أسماؤه، هذه الأرض من غير حجة، وهل كانت البشرية في السابق أقرب إليه تعالى لكي يبعث لها مائة وأربعـة وعشرين ألف نبي عدا الأوصيـاء وثم يتركنا بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله دون أن تكون له حجة عليها؟.. إنّ الإنسان الذي يعتقد بالوحي لابد أن يؤمن أيضاً بامتداد هذا الوحي المتمثل في الأئمة عليهم السلام ، وانّ هذا الامتداد يتجسد، بل يرتفع، وينمو حتى يصل إلى قمته، وإلى ذروة امتداد الرسالة الإسلامية المتمثلة في الإمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه".[12] ويضيف:"ان هناك ليلة القدر، حيث يتنزّل الروح من السماء مع الملائكة الآخرين ليعرضوا على إمام عصرنا صحيفة أعمال كل واحد منا. وإلى هذا المعنى يشير قولـه تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون) " .[13] ويقول:" إن الشيعة يعتقدون اعتقاداً راسخاً، ويؤمنون تمام الإيمان بوجود هذا الإنسان الغيبي الإلهي الذي ينزل عليه الروح الأعظم في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. والروح الأعظم هذا هو كيان اعظم من الملائكة، ومن جبريل وميكال، ينزل على الحجة عليه السلام ".[14] ويؤكد:" وليس هناك فوق هذا الكوكب الذي نحيا عليه ورغم ما تزدحم وتتصارع فيه آلاف الأديان والمذاهب، بالإضافة إلى الأفكار والمبادئ والنظريات والفلسفات العديدة المنتشرة هنا وهناك؛ أقول ليس هناك دين أو مذهب أو مبدأ واحد يقول أن العلاقة بين الأرض والسماء، أو بعبارة أخرى؛ بين الإنسان وخالقه هي علاقة مستمرة كما هي عقيدة الشيعة، فنحن نؤمن باستمرار ودوام هذه العلاقة بين الإنسان وبارئه، ولا نرى انقطاعها كما هو الحال لدى اتباع المذاهب الإسلامية الأخرى ، حيث يقولون إنها انقطعت بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وانقطاع الوحي ، ولا يعترفون بوجود إنسان يحيى على هذه الأرض ذي صلة بالله سبحانه، إلا أنه ليس بنبيّ".[15]
اعتقد بقوة ان السيد المدرسي يخطي كثيرا في نسبة هذه الفكرة للشيعة والتشيع، وانما هي فكرة من بنات أفكار الغلاة المنحرفين عن أهل البيت، وانها تشبه قول الفرقة الضالة والمكفرة "الأحمدية" التي تعتقد باستمرار الوحي على أئمتها وشيوخها. ولست أدري كيف يقول المدرسي بهذه الفكرة الشيطانية الجهنمية المناقضة لصريح القرآن:" ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين..". الأحزاب 40 وهو الذي يدعي الاجتهاد والعناية بالقرآن؟
وفي الحقيقة انه لم يكن بحاجة الى الوقوع في هذا المنزلق الخطير، ولكنه كان كالغريق يتشبث بكل قشة، ومع ذلك فانه لا يستطيع ان يستدل بهذه الفكرة على ولادة ووجود (محمد بن الحسن العسكري) لأنه بحاجة الى أن يثبت ولادته أولا حتى يطبق عليه تلك الفكرة، وليس بالعكس، تماما كما كان الإماميون الإثنا عشريون بحاجة الى إثبات وجوده وولادته، حتى يجوز لهم بناء نظريتهم على أساسه.
وكلما يشعر المدرسي بتهافت منطقه واستدلاله، يرفع من درجة تهويله، ليغطي على عجزه، فيقول:" إن الإيمان بالمهدي عجل الله فرجه كامل مكمل للمنظومة الإمامية، فكما أن الطائرة لا يمكنها التحليق في الجو اذا أصابها عطب أو خلل في أحد جناحيها أو أجهزتها العديدة التي تكون بمجموعها وحدة واحدة لا يمكن الاستغناء عن إحداها أو إلغائها، وكما أن الذي يؤمن بالزكاة والحج والخمس ولكنه لا يؤمن بالصلاة وينكرها يعتبر كافراً وليس مسلماً لأنه يفتقد جزءاً رئيسياً من منظومة الإيمان .. كذلك الذي لا يؤمن بالإمام الحجة عجل الله فرجه فهو لديه مشكلة رئيسية وخلل عميق في ركن أساس من الإيمان ".
ويقوم بمهاجمة الباحثين عن أدلة وجود الامام الثاني عشر، فيقول:"ان أولئك الذين يختصمون في مصداقية إمامة الحجة المنتظر ووجوده وغيبته سلام الله عليه، بعيدون عن معرفة حكمة الوجود ولماذا خلق الله سبحانه الكون". دون أن يشرح لنا بالطبع ما هي العلاقة بين الأثنين.
ان المدرسي هنا يعبر عن أزمته الفكرية بوضوح، فهو قد اصطنع له نظرية باطلة وهي ضرورة استمرار الوحي الى يوم القيامة، ثم ذهب يبحث عن ذلك المصداق الخارجي لمتلقي الوحي، ولم يكن يملك أي دليل على وجوده، ولكنه لا يريد أن يعترف بخطأ نظرياته، فيحاول افتراض وجود ذلك الشخص بصورة تعسفية، ولما كان منطقه ضعيفا، فانه يحاول ان يغلفه بستار من النيران الموجهة ضد كل باحث موضوعي أو متسائل بريء.
ولنشاهده مرة أخرى وهو يتخبط في أزمته الى درجة إنكار ضروري من ضروريات الدين، يقول:" هل من المعقول أن يخلق الله الخلق من أجل مجموعة من الأشخاص - وهو النبي وأوصياؤه من بعده- ثم يعمد الله أن يخلي الأرض منهم، حيث تبقى الدنيا دون أن تبقى الحكمة من خلقها؛ الحكمة التي تعني وجود النبي أو من ينوب عنه بالنص المباشر؟ بالتأكيد ليس من المعقول أبداً أن يحدث كلّ هذا".
وهكذا يصبح الجواب جاهزا لديه هنا حتما، وليس بحاجة بعد ذلك الى دليل:
"أقول: إننا وبالاستناد الى الروايات المؤكدة الصادرة عن النبي والأئمة من بعده، فإنّ الإمام الثاني عشر قد ولد فعلاً".
وليس مهما بعد ذلك ما هي قيمة تلك الروايات العلمية؟ ومدى دلالتها؟ وفيما اذا كانت ثمة أدلة تاريخية معتبرة وشرعية على ولادته؟.
دليل الغيب
وبما أن المدرسي لا يزال يشعر بضعف منطقه، فانه يحاول أن يسنده بنظرية أخرى فريدة، هي دليل (الغيب) فيقول:"إن أبرز وأهم غيب في حياتنا، هو الإيمان بوجود وظهور وانتصار الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف" .. وبناء على ذلك يرفض المدرسي الاعتماد في الإيمان بالمهدي المنتظر على أساس الرؤية. ويضيف: "يقول البعض: اُؤمن بالإمام الحجة، ويسأل: من رأى الحجة ؟ ويجيبه رفيقه : لقد رآه بعضهم وقصته كذا وكذا. فهو يؤمن بالإمام المنتظر لأن أحدهم قد رآه في اليقظة أو في المنام، ولو كان لم يُرَ عليه السلام في اليقظة أو في المنام لأصبح لا وجود له !!..إن الاعتماد على النقل الموثّق أمر صحيح، ولكنه يعبّر عن إيمانٍ جاهل وناقص ؛ جاهل من حيث أنه لم يصدر عن ذات عالمة بذاتها ، وناقص بالمقارنة مع ما هو كامل. إن الإيمان الكامل والواعي والقوي هو الإيمان المتنامي من خلال دراسة القرآن وجوهره وروحه، ومن خلال دراسة الأحاديث النبوية الشريفة التي خرجت عن مصدر الحق والصدق الذي هو رسول الله صلى الله عليه وآله، من خلال ذلك يؤمن الإنسان إيماناً أساسياً بحقائق الغيب، لا من خلال رؤية أحد الناس.
إن الإيمان بالحقائق الغيبية ينبغي أن يكون تسليماً للأوامر الدينية؛ بمعنى أن هذين الأمرين ينبغي أن يكون الإيمان بهما من البديهيات في عقيدة الإنسان المسلم ، وذلك قبل البحث عن الاستدلال أو الكشف عن أسبابهما ونتائجهما المادية.
ثم إن من دون الاعتماد على الله والنصوص التي أوردها في قرآنه الحكيم وعلى لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وآله يكون دين الإنسان المسلم أمراً معلّقاً على معرفة الأسباب قبل التأدية.
ان الإمام الصادق عليه السلام يقول : "نحن - الأئمة - صُبّرٌ، وشيعتنا أصبر منّا" قلت (الراوي): جعلت فداك كيف صار شيعتكم أصبر منكم؟ قال: "لأنا نصبر على ما نعلم، وشيعتنا يصبرون على مالا يعلمون". إذن؛ فالقضية تكمن في ضرورة الارتفاع الى مستوى الإيمان بالغيب وما يتطلبه ، وليس الاتجاه نحو تجيير الحقائق الإيمانية لصالح المذاقات النفسية والمادية ، وإنما يتم ذلك عبر تعويد الذات على عدم الاكتفاء بما تشاهده العينان وتحسّه الحواس. بل لابد من الإيمان بما يشهد عليه القلب والعقل، وما يطمئن إليه الضمير، وينصّ عليه الكتاب والرسول.
وببالغ الأسف أقول: إن بعض الناس من المسلمين أصبح لا يؤمن بحكم شرعي حتى يعرف سببه أو يفسر له العلماء ذلك، وهذا يعتبر تجاوزاً صارخاً على حقيقة القرآن والأحكام الشرعية القائلة بضرورة الإيمان بالغيب والتسليم بإخلاص الى أوامر الله ونواهيه ، لاسيما وأنّ الآيات القرآنية الكريمة التي تلوتها على مسامعكم في مقدمة الحديث تشير بكل وضوح إلى أن الإيمان بالغيب أمر متقدم على إقامة الصلاة - وهي عمود الدين - وعلى الإنفاق في سبيل الله تعالى ذكره.
وهكذا من كان يشك في وجود أو ظهور أو انتصار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف فالمشكلة فيه هو لا غير. فالأدلة كثيرة للغاية ، ولكنه هو بذاته أصبح - لضعف إيمانه - لا يؤمن بالشيء دون أن تراه عيناه" . [16]
العودة الى نقطة الصفر.. الى الشورى
والطريف ان السيد محمد تقي المدرسي، بعد كل هذا الجهد المضني في محاولة "الاستدلال" على ضرورة وجود (الامام المهدي) واستمرا ر الخيط الرابط بين الأرض والسماء، يعود فيلتفت حواليه فلا يجد أثرا مما يقول، فيعود أدراجه خائبا، لينظِّر لولاية الفقيه، والنظام الديموقراطي كبديل عن (الامام المهدي الغائب) فيقول:"إنّه قد اضطرّ الى الغيبة القسرية مرّتين، وإنّه قد أناب عنه في غيبته الأولى أربعةً من الوكلاء، إلا أنه أطلق الأمر في غيبته الكبرى الى العلماء بالدين... لقيادة الناس باعتبارهم وكلاءه العامّين في إفتاء الناس وقيادتهم نحــو ما يريد الله لهم من خير وينهاهم عنه من شر... وهكذا كان جميع الناس مدعوّين الى البحث عن قائد يتبعونه، وهذا ما يمكن تسميته بالنظـام المرجعي، حيث يسعى كلّ إنسان بالغ غير مجتهد في الأحكـام الى تقليد مرجع من المراجع".
ومع انه استنكر فيما سبق التمسك بآية الشورى، الا انه عاد فقال:"يعتبر مبدأ الشورى في الإسلام أصلاً أصيلاً في النظام الديني، فإذا كنا فيما مضى من الزمان نختار أئمتنا المراجع عن طريق الانتخاب العفوي، فإنّ عصرنا الراهن يؤكد الحاجة الماسة إلى استبدال تلكم الطريقة بطريقة أخرى، وعبر صناديق الاقتراع مثلاً". وأضاف:"إن طاعة ولي الأمر تعني طاعة الإمام المعصوم، وهو في عصرنا الإمام الحجة بن الحسن عجل الله فرجه، وطاعة الإمام الحجة تعني طاعة الرسول التي تعني بدورها طاعة الله سبحانه".[17]
ولم يتوقف المدرسي هنا ليسأل نفسه عن الفائدة العملية لافتراض وجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) وعن معنى الارتباط به عبر المراجع مع السماء؟ وما ذا يحدث لو قلنا مباشرة أن العلماء هم أوصياء النبي وأن طاعتهم تعني طاعة الرسول، واننا يجب أن ننتخبهم بواسطة الشورى عبر صناديق الاقتراع؟ وما هو الفرق بعد كل ذلك مع من لا يؤمن بنظرية الامامة من الأساس؟
وفي الحقيقة ان السيد المدرسي يتهرب من التوقف عند كثير من الأسئلة والاجابة عليها، ومما لا يتوقف عنده، هو الموقف الإمامي القديم الملازم والمتفرع عن القول بوجود الامام الثاني عشر، وهو موقف التقية والانتظار السلبي، وحرمة إقامة الحكومة الاسلامية في عصر الغيبة، وذلك لاشتراط العصمة والنص في الامام، حسب نظرية الامامة الالهية. وان هذا الموقف قد أدى الى خروج الشيعة من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن، وان القول بتولي المراجع لقيادة الأمة، حسب نظرية النيابة العامة أو نظرية ولاية الفقيه، هو قول جديد مناقض لنظرية الامامة، وتخلٍ عن اشتراط العصمة والنص في الامام، مما يعني أن الامامية داروا دورة تاريخية طويلة وعادوا الى نقطة الصفر، وهي القول بعدم وجود إمام ظاهر معصوم منصوص عليه من قبل الله في هذا العصر. وان عليهم أن يبحثوا عن إمام عالم عادل يحل محل المعصوم ويقوم بمسؤولياته تجاههم. وهذا ما قال به كثير من أهل السنة، وكثير من الشيعة الأولين. وهو الذي ينسجم مع روح القرآن الكريم والعقل السليم.
[5] - وجدت في موقع رافد الالكتروني إشارة الى هذا الكتاب كما يلي: هو كتاب « الفتن والملاحم» للحافظ نعيم بن حماد (وليس حداد كما ذكر المدرسي) المروزي المتوفى سنة 227 ه . وهو من شيوخ البخاري وغيره من مصنفي الصحاح . وتوجد منه نسخة في مكتبة دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الهند رقم 3187 - 83 ، ونسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 62 - أدب ، ونسخة في مكتبة المتحف البريطاني تقع في نحو مئتي صفحة مزدوجة ، وقدتم نسخها سنة 706 ه . ويوجد على بعض صفحاتها عبارة ( وقف حسين أفندي ) مما يشير إلى أنها أخذت من موقوفات تركيا . وقد سجلت في المكتبة البريطانية سنة 1924 م .
[6] - ص 148
[7] - ص 155 و 158
[8] - ص2
[9] - ص4
[10] - ص 7
[11] - ص 7
[12] - ص 9
[13] - ص 10
[14] - ص16
[15] - ص15
[16] - ص17
[17] - ص 20
تم إضافته يوم الأربعاء 11/11/2009 م - الموافق 23-11-1430 هـ الساعة 11:44 صباحاً