طلبت مني في رسالتك الاخيرة عبر الانترنت المؤرخة 6 شعبان 1420 بحث موضوع وجود الشهداء بعد النبي (صلى الله عليه وآله) الذين تعتبر شهادتهم كشهادة الرسول ويعتبر قولهم وفعلهم وتقريرهم كقول وفعل وتقرير الرسول ، وان نبدأ ببحث الايات والاحاديث الواردة حول الموضوع ، وطلبت مني كذلك التفريق بين معنيي الامامة الخاص الذي يعني - في نظرك - الحجية في القول والفعل ، واشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية المنحصر في الائمة الاثني عشر ، والمعنى العام الذي تقول انه يشمل الحكومة واقامة الحدود ، وعدم الخلط بينهما .
وقلت ان الدليل على حصر الامامة الخاصة بعد النبي في أهل البيت وبقاء الثاني عشر منهم الى آخر الدنيا ، هو حديث المنزلة وحديث الثقلين وآية التطهير وحديث الكساء وحديث الائمة اثنا عشر ، ونص السابق من الائمة على اللاحق .
ورغم ذلك فقد أكدت ان المعنيين في مصطلح ( الامام ) اندمجا لدى الشيعة في معنى واحد ثالث ، وصار يراد به كلا المعنيين ، وحصر مصداقه بعد النبي بالمعصومين الاثني عشر ، وهذا ما يدل على انك تحاول التفريق بين معنى الامامة بصورة تعسفية خلافا لما تعارف عليه الشيعة الامامية ، واني لم اخلط بينهما ، وانما أنت الذي تفرق بينهما بدون ضرورة .
وعلى أي حال فان نظرية الامامة الالهية ذات الشعبتين التشريعية والتنفيذية المنحصرة في الائمة الاثني عشر ، حسب رأي الفرقة الاثني عشرية - والا فان الشيعة الاسماعيلية الامامية او الواقفية لا يؤمنون بحصر الائمة باثني عشر وقد يضيقون العدد او يفتحونه بلا حدود - وسواء قلنا بحصر الامامة في اثني عشر او لم نقل فان نظرية الامامة هذه تعتمد في قيامها واستمرارها على ثبوت ولادة ووجود ابن للامام الحسن العسكري ، بغض النظر عن المناقشة في الاحاديث التي ذكرتها ( حديث المنزلة والثقلين والكساء والاثني عشرية وآية التطهير ) ومدى دلالتها وصحة سندها . فاذا استطعت ان تثبت ولادة ووجود الامام الثاني عشر بصورة علمية تاريخية ، فان نظرية الامامة او الاثني عشرية قد تصح ، اما اذا لم تستطع ان تثبت ذلك فان من العبث الحديث عن شىء لا وجود له في الخارج . .
ولذا طلبت منك في رسالتي السابقة التي كتبتها قبل سنوات بعد صدور الجزأين الاولين من حلقاتك ان تبحث القضايا الرئيسية والجوهرية بدلا من ان تغوص في التفاصيل الجزئية والثانوية والهامشية ، ولا زلت اعتقد ان البحث في معنى الامامة هو موضوع ثانوي يأتي بعد موضوع إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض ، وكما قيل العرش ثم النقش . وكأني بك تحاول ان تقفز عن هذا الموضوع الرئيسي المهم بتركيب بعض النظريات الكلية لكي تمهد الطريق نحو القول بفرضية وجود الامام الثاني عشر ( محمد بن الحسن العسكري ) وهو ما فعله المتكلمون السابقون في القرن الثالث الهجري الذين اصطدموا بالواقع وهو عدم وجود ولد للامام العسكري ، وبدلا من ان يستسلموا الى الحق ويعيدوا النظر في نظرياتهم الخيالية وتأويلاتهم التعسفية وأحاديثهم المزورة أصروا على الباطل وافترضوا وجود ولد للامام العسكري بالرغم من نفي الامام ووصيته بأمواله الى أمه المسماة بـ ( حديث ) وعدم وصيته الى أحد من بعده بالامامة .
وهذا ما عنيت به من الدليل الفلسفي الوهمي الافتراضي الذي نسج اسطورة ( الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري ) .
ان إصرارك على بحث موضوع نظرية الامامة تبعا للاحاديث ( الضعيفة في المتن والسند ) التي ذكرتها ، بعد انهيار النظرية الاثني عشرية ، قد يجرك الى الانتقال الى الاسماعيلية او البهرة ، واذا أردت ان تعيد النظر في نظرية الامامة ككل فيمكنك ان تصل الى نظرية الشورى التي اعتقد انها النظرية السياسية لاهل البيت الذين لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص ولا حصر الخلافة والامامة في سلالتهم .
واعتقد ان مشكلتك هي في ممارسة القياس المذموم والمرفوض من أهل البيت ، وتطبيق ما حدث في بني اسرائيل على الحالة الاسلامية ، وتفسير كلمة ( الاسباط ) التي تعني القبائل اليهودية الاثنتي عشرة ، بأوصياء النبي موسى ، الذين تقول انهم اثنا عشر ( بدون دليل ) والتوصل تبعا لذلك الى ضرورة وجود اثنا عشر وصيا للرسول الاعظم من أهل البيت .
ولست في حاجة الى اتهامك باتباع عبد الله بن سبأ الذي يقال انه نقل هذه الفكرة من اليهودية الى الاسلام ، وقال بكون الامام علي وصي النبي محمد كما كان يوشع وصيا للنبي موسى ، فأنت تقوم بنفسك بالبحث في الاسرائيليات وقد تعلمت اللغة العبرية وجئت الى لندن لكي تفتش في الكتب اليهودية التاريخية عما يدعم نظريتك ، علما بأن اليهود الاوائل الذين مارسوا القياس بين اليهودية والاسلام لم يقولوا بأكثر من وصي واحد ، حيث لم تكن النظرية الاثني عشرية قد ولدت بعد ، ولم يكن الشيعة الامامية قد حددوا الائمة بعدد محدود قبل القرن الرابع الهجري . وقد طلبت منك مرارا ان تقوم بالتأكد من أحاديث الاثني عشرية وصحة نسبتها الى أهل البيت قبل ان تقوم بتأييدها من الاسرائيليات .
وفي الحقيقة اني عاتب عليك جدا وأشكوك الى الله ، إذ أراك تستخدم الحوار معي بصورة ملتوية ولاغراض سياسية وإعلامية علمها عند الله، وذلك لاني كنت المبادر الى دعوتك للحوار حول موضوع المهدي ، قبل ان انشره ، في سنة 1992 وانتظرت مجيئك الى لندن عام 1995 وألححت عليك باللقاء فكنت تتهرب مني وتشترط التسليم في البداية بالفصل بين معنيي الامامة الخاص والعام ، قلت لك لنجلس ونبحث ، فرفضت اللقاء ، وتوسلت اليك ان تدلني على مواضع الخطأ في كتابي ، فقلت انا لا أرد على كتاب غير مطبوع ، ثم نشرت ردودك قبل ان اطبع الكتاب ، ومع ذلك لم تناقش الموضوع الرئيسي فيه والذي يشكل حجر الزاوية في الفكر الامامي الاثني عشري وهو وجود وولادة الامام الثاني عشر ، ونبهتك الى ذلك في رسالتي السابقة فوعدت في الحلقة الثالثة ان تفعل في المستقبل ، ولم تقم بذلك حتى الان . . ولا زلت تدور في الحواشي والجزئيات وتتهرب من مواجهة الموضوع الرئيسي .
أخي العزيز لماذا تضيع وقتك الثمين ووقت القراء ؟ أرجوك الاجابة عن الاسئلة التالية:
1- كيف تؤمن بوجود الامام الثاني عشر ( محمد بن الحسن العسكري ) ؟ عن طريق الادلة الفلسفية الكلامية والنظريات الكلية العامة؟ أم عن طريق الادلة التاريخية العلمية؟
2- ما هي تلك الادلة التاريخية؟ وهل بحثت الروايات المختلفة الواردة حول الموضوع ودرستها وقارنت بينها؟
3- هل هي روايات معتبرة لديك؟ وهل تثق برجالها؟ وهل هي مسندة؟ أم ليست الا إشاعات أسطورية مضحكة لا ترقى الى درجة أخبار الاحاد الضعيفة؟
وكما تعرف فقد بحثت كل هذه المواضيع في كتابي ( تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه ) بشكل مفصل ، فاذا كان لديك أي رد او نقاش في هذا الموضوع فتفضل به ، واذا كنت تسلم بما أقول وتعترف كبعض العلماء السابقين بالعجز عن إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض بالادلة التاريخية العلمية ، فلا تضيع وقتك ببحث ومناقشة الامور الثانوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع .
أما اذا كنت تتعرض الى ضغوط سياسية واجتماعية من المحيط المتحجر الذي تعيش في وسطه فحاول ان تهاجر الى أجواء أكثر حرية لكي تعبر عن آرائك بصراحة كما فعلت في زيارتك الى لندن عام 1995
واني أعذرك عن عدم مواصلة الحوار بجدية لعدم توفر الشروط الضرورية تحت سياط المحكمة الخاصة برجال الدين التي لا تسمح بالخروج عن ثوابت النظام الإيراني والتي أدانت الشيخ أسد الله بيات والشيخ محسن كديوار لكلمة حول ولاية الفقيه ، وحاكمت الشيخ عبد الله نوري لأنه انتقد بعض أفكار الامام الخميني او دعا الى أفكار الشيخ المنتظري.
حقا ان الفكر ليتعطل في أجواء القمع والإرهاب ومحاكم التفتيش ، وأسال الله تعالى ان يفرج عنك وعن علماء الحوزة العلمية في قم ويوفر لهم جوا من الحرية والأمن والسلام ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أحمد الكاتب
لندن 7 شعبان 1420/15 تشرين الثاني 1999
وأجاب السيد سامي البدري بما يلي، ولكنه لم يرسله لي، وانما نشره فيما بعد، في موقعه، معتذرا بخروجي عن أدب الحوار، إثر اختلاف بيني وبينه حول هوية المتحدث المتداخل معي ببرنامج بلا حدود في قناة الجزيرة باسم (السيد سامي البدري):
قوله : طلبت مني في رسالتك الاخيرة عبر الانترنت المؤرخة 6 شعبان 1420 بحث موضوع وجود الشهداء بعد النبي (صلى الله عليه وآله) الذين تعتبر شهادتهم كشهادة الرسول ويعتبر قولهم وفعلهم وتقريرهم كقول وفعل وتقرير الرسول ، وان نبدأ ببحث الايات والاحاديث الواردة حول الموضوع .
أقول : عرضت عليك البحث في هذا الموضوع سنة 1418 في نشرة وكتاب شبهات وردود الحلقة الثالثة ولم تجبني لسنتين مضت عليه ثم ذكَّرتك به سنة 1420 لما اجبتك على أول رسالة لك وجَّهتها الىَّ بالانترنيت . ومع ذلك لم تجبني الى بحث هذا الموضوع وحوَّلت البحث الى مسألة ولادة المهدي وقلت انه الموضوع الاهم .
قوله : سواء قلنا بحصر الامامة في اثني عشر او لم نقل فان نظرية الامامة هذه تعتمد في قيامها واستمرارها على ثبوت ولادة ووجود ابن للامام الحسن العسكري ، بغض النظر عن المناقشة في الاحاديث التي ذكرتها ( حديث المنزلة والثقلين والكساء والاثني عشرية وآية التطهير ) ومدى دلالتها وصحة سندها . فاذا استطعت ان تثبت ولادة ووجود الامام الثاني عشر بصورة علمية تاريخية ، فان نظرية الامامة او الاثني عشرية قد تصح ، اما اذا لم تستطع ان تثبت ذلك فان من العبث الحديث عن شىء لا وجود له في الخارج . .
أقول : الامامة الالهية لعلي يفرضها حديث المنزلة المتواتر ، وحديث الغدير المتواتر وأحاديث أخرى كثيرة . والامامة الالهية لاهل البيت بشكل عام يفرضها حديث الثقلين وآية التطهير وغيرها من الاحاديث . وتحديدهم بإثني عشر يفرضه حديث الاثني عشر الثابت صدروه عن النبي وقد ذكرنا طرفا من طرقه ومصادره في الحلقة الاولى من كتابنا شبهات وردود . وإمامة الامام الثاني عشر فرع لامامة آبائه فإن صحت إمامة آبائه (عليهم السلام) فعندئذ تثبت إمامته (عليه السلام) . أما ولادة المهدي فهي ثابتة بالنقل المتواتر عن أصحاب الحسن العسكري وقد مر البحث فيها .
قوله : اعتقد ان البحث في معنى الامامة هو موضوع ثانوي يأتي بعد موضوع إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض ، وكما قيل العرش ثم النقش .
أقول : انما نبهتك الى ان مصطلح الامامة استعمل بمعنيين أو ثلاث بسبب اصرارك على استعمال معنى واحد وهو معنى ( الحكم ) هذا المعنى الذي أدى بك ان تقول ( ان الشيعة يشترطون في الحاكم العصمة والنص واالسلالة العلوية الحسينية وانهم لما أقاموا دولتهم في ايران تخلو عن هذه الشروط في الحاكم ) ! والحال أن الشيعة ( اشترطوا العصمة والنص والحصر في على والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) ) في إمامة خاصة بهم وهي عين إمامة الرسول من حيث حجية قوله وفعله وتقريره سواء كان حاكما او لم يكن ، وهذه الامامة لهؤلاء الاثني عشر نظير إمامة اسماعيل واسحاق ويعقوب ويوسف والمعصومين من ذريته قبل موسى ونظير إمامة آل هارون بعد موسى المذكورين في القرآن . أما الحكومة فهي حق هؤلاء الائمة في زمانهم وتستمر بعدهم في الصالحين من الفقهاء سواء كانوا من ذرية هارون أو من ذرية غيرهم وكذلك الامر في الحكومة في عصر الغيبة هي للعدول من الفقهاء الكفوئين ممن تثق به الامة سواء كانوا من الهاشميين أو لم يكونوا .
وهكذا لم يتخل أحد ممن رفع شعار ولاية الفقيه وإقامة الدولة تحت رايته عن عقيدته الاثني عشرية وذلك لوضوح ان إمامة أولئك الائمة إمامة خاصة ، يكون الحكم شأنا ضئيلا جدا من شؤونها . وإن الحاكم لا يشترط فيه العصمة ولا النص ولا السلالة العلوية الحسينية .
قوله : ان إصرارك على بحث موضوع نظرية الامامة تبعا للاحاديث ( الضعيفة في المتن والسند ) التي ذكرتها ، بعد انهيار النظرية الاثني عشرية ، قد يجرك الى الانتقال الى الاسماعيلية او البهرة ، واذا أردت ان تعيد النظر في نظرية الامامة ككل فيمكنك ان تصل الى نظرية الشورى التي اعتقد انها النظرية السياسية لاهل البيت الذين لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص ولا حصر الخلافة والامامة في سلالتهم .
أقول : لم تبين نقاط الضعف في الروايات التي ذكرناها وقد ناقشنا كل إشكالاتك حول الاثني عشرية في نشرتنا شبهات وردود الحلقة الاولى وبقي حديث الاثني عشر على قوته وإعتباره السندي والدلالي . وقد نبهناك في الحلقة الثانية والثالثة من ( شبهات وردود ) وكذلك في رسالتي الجوابية الاولى بواسطة الانترنيت انه لا تعارض القول بوجود اثني عشر اماما نص النبي عليهم أئمة هدى وحجج على الناس من بعده وكونهم أحق من غيرهم بالحكم أحقية أختصاص وبين القول بالشورى في الحكم بالمعنى الذي فصلناه في الحلقة الثانية ص 37-38 . أما قولك ( أن الائمة لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص ... ) فهي دعوى ادعاها قبلك علماء السنة قديما وحديثا ، وبحث هذه المسألة يقوم على قضيتين الاولى دلالة النصوص القرآنية والنبوية على وجود معصومين ، الثانية صدق نقل الشيعة عن أئمتهم . وبحث المسألة الاولى والفراغ منها مقدم على بحث المسألة الثانية .
قوله : واعتقد ان مشكلتك هي في ممارسة القياس المذموم والمرفوض من أهل البيت ، وتطبيق ما حدث في بني اسرائيل على الحالة الاسلاميةوتفسير كلمة ( الاسباط ) التي تعني القبائل اليهودية الاثنتي عشرة ، بأوصياء النبي موسى ، الذين تقول انهم اثنا عشر ( بدون دليل ) والتوصل تبعا لذلك الى ضرورة وجود اثنا عشر وصيا للرسول الاعظم من أهل البيت .
أقول : منهج المقارنة بين ما جرى في بني إسرائيل وما جرى في أمة محمد (صلى الله عليه وآله) أكد عليه القرآن والسنة الصحيحة وليس هو من القياس في شيء وما رفضه اهل البيت من القياس هو القياس في الاحكام . وقد وضحنا المسالة في الحلقة الاولى م شبهات وردود ص 123-133 ردا على مقالك في الشورى العدد الثالث ص 6 . أما الاسباط الواردة في الايات التي أوردناها في جوابنا فهي ليست ذات صلة بأوصياء موسى بل هي ذات صلة بأوصياء ابراهيم أرجو ان تدقق النظر فيها مرة ثانية . ثم ان أوصياء موسى اثنا عشر قد نص عليهم القرآن الكريم في قوله تعالى ( اثنا عشر نقيبا . . ) وهو يخالف ما اوردته التوراة من العدد ( 15 ) وتسميهم بالقضاة .
قوله : ولست في حاجة الى اتهامك باتباع عبد الله بن سبأ الذي يقال انه نقل هذه الفكرة من اليهودية الى الاسلام ، وقال بكون الامام علي وصي النبي محمد كما كان يوشع وصيا للنبي موسى ، فأنت تقوم بنفسك بالبحث في الاسرائيليات وقد تعلمت اللغة العبرية وجئت الى لندن لكي تفتش في الكتب اليهودية التاريخية عما يدعم نظريتك .
أقول : القرآن يصرح بأن خبر بعثة النبي مذكور في التوراة والانجيل كما في قوله تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ) الاعراف/157 ، ويصرح ايضا ان خبر المسلمين مع النبي الذين جعلهم الله شهداء على الناس بعد النبي مذكور في الكتب السابقة كما في قوله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الحج/78 . فالاية صريحة في قضية ان المسلمين الشهداء على الناس في هذه الاية قد وصفهم وعينهم الله تعالى من قبل أي في الكتب السابقة يبقى الكلام من هم هؤلاء هل هم كل المسلمين ولم يكونوا كلهم من ذرية ابراهيم أم هم آل النبي كما ذكرالصادق (عليه السلام) ؟ وسواء كانوا هؤلاء أم أولئك هل يعتبر البحث في الكتب المقدسة للعثور على النصوص التي أشار اليها القرآن في حق النبي والشهداء على الناس من بعده تهمة ؟
والحمد لله فاني لست أول باحث في هذه الايات ومتابع لواقعها في الكتب المقدسة فقد سبقني علماء المسلمين من السنة والشيعة فهذا ابن كثير وابن تيمية وقبلهما البيهقي والماوردي وقبلهما ابن هشام وابن اسحاق وغيرهما وفي العصر الحديث كثير منهم الشيخ رحمة الله الكيرانوي في كتابه اظهار الحق طبع قبل مأئة سنة ثم جدد طبعه الدكتور عمر الدسوقي سنة 1980ومنهم الدكتور احمد حجازي السقا وقد كتب أكثر من كتاب في الموضوع وكان أحدها رسالة للدكتوراه ومنهم قيس الكلبي وعنوان كتابه ( محمد آخرالرسل في التوراة والانجيل ) ( 1996م ) طبع في اميركا بالانكليزية والعربية . ولهم نظراء من الشيعة قديما كالنعماني في كتابه ( الغيبة ) والطبرسي في إعلام الورى وغيرهما وحديثا كالعلامة البلاغي الذي تعلم العبرية وناقش اليهود في أكثر من كتاب والعلامة العسكري في كتابه معالم المدرستين والاستاذ تامر مير مصطفى في كتابه بشائر الاسفار ( 1994م ) وغيرهم و في منهجك فإن كل هؤلاء متهمون بتهمة السبائية ويبدو انك تريد خصوص الباحثين الشيعة الذين عرضوا في بحوثهم العلمية ان التبشير بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) في الكتب الالهية السابقة مقترن بالتبشير بالاثني عشر ، وهو أمر يغيظك جدا وإذا كان الامر كذلك فلماذا تدعو للحوار إذن ؟
قوله : ولم يكن الشيعة الامامية قد حددوا الائمة بعدد محدود قبل القرن الرابع الهجري . وقد طلبت منك مرارا ان تقوم بالتأكد من أحاديث الاثني عشرية وصحة نسبتها الى أهل البيت قبل ان تقوم بتأييدها من الاسرائيليات .
أقول : بحثنا دعواك ان الشيعة لم يكونوا يعرفون الاثني عشرية قبل القرن الرابع الهجري في الحلقة الاولى التي صدرت سنة 1417 هجرية وقد كرسناها للرد على كل شبهاتك حول الاثني عشرية ثم أثبتنا لك صحة نسبة الاحاديث الاثني عشرية الى أهل البيت وإلى النبي قبل ذلك ولم ترد بشيء وقد مضى على تلك الردود المنشورة ما يقرب من اربع سنوات !
قوله : ( وفي الحقيقة اني عاتب عليك جدا وأشكوك الى الله ، إذ أراك تستخدم الحوار معي بصورة ملتوية ولاغراض سياسية وإعلامية علمها عند الله ، وذلك لاني كنت المبادر الى دعوتك للحوار حول موضوع المهدي ، قبل ان انشره ، في سنة 1992 وانتظرت مجيئك الى لندن عام 1995 وألححت عليك باللقاء فكنت تتهرب مني وتشترط التسليم في البداية بالفصل بين معنيي الامامة الخاص والعام ، قلت لك لنجلس ونبحث ، فرفضت اللقاءوتوسلت اليك ان تدلني على مواضع الخطأ في كتابي ، فقلت انا لا أرد على كتاب غير مطبوع ، ثم نشرت ردودك قبل ان اطبع الكتاب ، ومع ذلك لم تناقش الموضوع الرئيسي فيه والذي يشكل حجر الزاوية في الفكر الامامي الاثني عشري وهو وجود وولادة الامام الثاني عشر ، ونبهتك الى ذلك في رسالتي السابقة فوعدت في الحلقة الثالثة ان تفعل في المستقبل ، ولم تقم بذلك حتى الان . . ولا زلت تدور في الحواشي والجزئيات وتتهرب من مواجهة الموضوع الرئيسي ) .
أقول :
1 . ردودي عليك في حلقاتي الثلاث وفي هذه وهي الرابعة مستقيمة وواضحة حيث اني نهجت فيها جميعا منهجا واحدا وهو أني كنت اورد قولا لك منشورا في نشرتك الشورى أو في كتابك يعبر عن فكرة تامة وأشير الى موضعه في نشرتك أو كتابك ثم أعلق عليه بما تيسر لي من البحث والكلام العملي ، وأغراضها واضحة وقد وضحتها في مقدمة الحلقة الاولى حيث قلتُ في ص 15 ( إني أحاول في هذه الاوراق ان أختصر الرد وأيسره لطلاب الحقيقة وبخاصة وأن كثيرا منهم لا يتسع وقته لمراجعة مطولات الكتب ولا مختصراتها ) وكان بإمكانك لو وجدت فيما رددت به عليك ثلمة ان ترد وقد مضى من الزمن ما يكفي .
2 . قولك ( كنت تتهرب مني ) مما يضحك الثكلى ، أما تذكر يوم دعاك الاستاذ الدكتور سعد جواد في الى بيته العامر في لندن سنة 1995لحضور اول محاضرة لي بعد قدومي مع مناقشة مفتوحة بعدها ولم تحضر الا بعد انتهاء المحاضرة والمناقشة وخروج أغلب المدعويين ووصلتَ ونحن في حال الخروج ولما دخلتَ لم نجلس وبقينا واقفين وتحدثنا قريبا من ثلث ساعة وفيها طلبت مني لقاء منفردا فأبيتُ ذلك وأصررتُ على اللقاء المفتوح وبحضور عدد واسع من الاخوة فكان جوابك ان الناس لا يتحملون صراحة الافكار وأتوقع منهم الاهانة فقلت لك انك أعلنت عن أفكارك وديسكات كتبك تتحرك في المجتمع والمفروض انك تتحمل ردود الفعل على أفكارك وبقيت الفكرة معروضة شهرين مدة وجودي في لندن وكنت تصر فيما بعد على عدد قليل وكنت أصر على العدد الكثير حيث كنت أحدس ان النقاش معك لا يجدي نفعا وانما اردتُ من حضور الكثرة آنذاك هو فائدتهم وشهادتهم لا غير وقد تبين لي وللاخرين صدق حدسي بعد انسحابك من الحوار على شبكة هجر الثقافية الموقرة شهر رمضان المبارك سنة 1420 بعذر انك غير متفرغ لمواصلة الحوار على الرغم من انك طالب الحوار معهم .
ولست أدري كيف اتهرب منك وأنا أول من نشر ردوده عليك بصورة معلنة وصريحة ولا فخر ! .
3 . أما اشتراطي عليك الفصل بين معنيي الامامة فقد أخبرتك في وقته انك وقعت في خلل منهجي مركزي تحرك معك في كتبك الثلاثة وهو انك تنظر الى إمامة أهل البيت على انها مسألة سياسية حسب . بينما هما مسألتان الاولى كونهم حجاً إلهييين معصومين بعد النبي شهادتهم على الناس كشهادة النبي ومن تركهم ظل ومن أخذ بقولهم وتمسك بهم نجى . الثانية مسالة كونهم الاولى بالحكم بعد النبي اولوية اختصاص لا أولوية تفضيل . وقد مر تفصيل ذلك . وأذكر انني سألتك في احدى المكالمات الهاتفية بيني وبينك لما لا تقبل بالمنهج المذكور قلت إذا قبلت به فإن كتبي الثلاثة تنهار !!! والامر واضح وهو انك بنيتها على منهج خاطيء .
4 . لقد بقيتُ ملتزماً بكلمتي معك وهي انني قلت لك : فى وقته إنني لا أرد على كتاب غير منشور ، ولو راجعت الحلقة الاولى والثانية من كتابي شبهات وردود لوجدتهما ردا على نشرتك الشورى وليس على كتابك الذي لم تطبعه آنذاك ، أما الحلقة الثالثة فقد رددت فيها على كتابك بعد ان نشرته والذي لم تشر فيه الى ردودي عليك ! .
5 . الغريب انك حكمت على الشيعة الاوائل القائلين بالوصية بانهم أخذوا فكرة الوصية من عبد الله بن سبأ ثم حين ناقشتك في ابن سبأ ومصداقيته اصبحت المسألة عندك مسألة هامشية وجزئية !!! .
وحين ادعيت أن الشيعة في القرن الثالث لم يعرفوا الاثني عشرية وأثبت لك خطأ دعواك هذه أصبحت المسالة عندك مسألة هامشية وجزئية !!! .
وحين قلت ان روايات كثيرة في المصادر الشيعية تفيد ان الائمة لم يكونوا يعرفون إمامة الامام اللاحق بعدهم الا عند قرب وفاتهم وأثبت لك انك أخطأت في فهم الرواية أصبحت المسألة عندك مسالة هامشية وجزئية !!! .
وحين ادعيت أن الشيخ محمد بن علي بن بابويه الصدوق كان يشك بتحديد الائمة بإثني عشر وأثبت لك خطأ دعواك بنسبة الشك اليه بالعقيدة الاثني عشرية أصبحت المسالة عندك مسألة هامشية وجزئية .
وهكذا كل ما ناقشتك فيه من دعاواك في الحلقة الاولى والثانية والثالثة واثبت لك خطأك فيها اصبحت عندك مسألة هامشية وجزئية وحاشية !!! .
وليس من حقك تهميش هذه القضايا وقد سقتها واحدة بعد الاخرى لتبني تصورك السلبي عن التشيع الاثني عشري وقضاياه الاساسية .
والان بين يديك الحلقة الرابعة وقد اثبت لك خطأ دعواك : ان شيعة الحسن العسكري تفرقوا الى اربع عشرة فرقة وأن القائلين منهم بوجود المهدي بن الحسن العسكري هم شرذمة من اصحاب الحسن العسكري وليس جمهور اصحابه ، ولا بد انها ستصبح عندك بعد ذلك مسألة فرعية وجزئية بإعتبارها متفرعة عن مسألة الامامة الالهية بعد النبي ككل والتي يجب بحثها أولا والفراغ منها قبل بحث مسألة وجود المهدي (عليه السلام)وفي هذه المرة يكون الحق معك ولا بد ان نبدأ ببحث الامامة اولا وقبل البدء لا بد ان نتفق على مرادنا من مصطلح الامامة وهو ما قلناه لك في شهر رمضان لسنة 1416هـ الموافق سنة 1995 م . وقد بحثنا مسألة الامامة الالهية في الحلقة الثانية والثالثة من كتابنا شبهات وردود .
أخي أحمد الكاتب : أحب أن أصارحك ان الجهد الذي بذلته شخصيا للرد على شبهاتك وبذله أخوة آخرون في كتابات ستظهر قريبا جزاهم الله تعالى عليها خير الجزاء ليس من أجل ان تغير تصوراتك الخاطئة عن إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك لانك لو أردت ان تصل الى الحقيقة فيها فقد كانت ميسرة لك حين كنت تعيش في عمق مصادر الشيعة وتراثهم الفكري ومن ثم لست بحاجة الى هذه الابحاث ، وهي ( أي الحقيقة ) ميسرة ايضا لغيرك ممن يعيش في عمق مصادر أهل السنة وتراثهم الفكري ، والسر في ذلك هو ان كتاب الله يدعو لها قبل ان يدعو لها تراث الشيعة كما ان حديث النبي (صلى الله عليه وآله) برواية أهل السنة يدعو لها قبل ان يدعو لها تراث الشيعة ، وفي حقبتنا المعاصرة قد انفتح على هذه الحقيقة اناس ممن ليسوا من أهلها أكثر ممن انغلق عليها من أهلها وقد انفتح كثير من هؤلاء لا بجهد خاص من شخص معين بل بجهدهم الخاص ومعاناتهم الخاصة و تفكيرهم الحر . وانت شخصيا / إن أردت الحقيقة / لست بجاجة الى أكثر من عودة الى ذاتك فأنت أعرف بها منا جميعا إقرأها من جديد بعد انسحابك من الحوار من شبكة هجر ، اقرأ معي قوله تعالى : (بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ *وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) القيامة/14-15 وقوله تعالى حاكيا عن نبيه نوح (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) هود/28 والشاهد قوله تعالى (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) أي فخفيت عليكم بسبب الموقف المسبق . ولنقرأ سوية المأثور من قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : عباد الله ، زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا ، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، وتنفسوا قبل ضيق الخناق ، وانقادوا قبل عنف السياق ، واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر ، لم يكن له من غيرها لا زاجر ولا واعظ . . جعلك الله من أهل الحق وهداك له .
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
ملاحظة : لم أبعث له هذه الرسالة بسبب خروجه عن أدب الحوار ...
تم إضافته يوم الأربعاء 11/11/2009 م - الموافق 23-11-1430 هـ الساعة 11:52 صباحاً